محمد متولي الشعراوي
4110
تفسير الشعراوى
« إنّى ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه كل يوم مائة مرة » « 1 » . إذن فالإخلاص عملية قلبية ، وأنت حين تدعو اللّه ادعه دائما عن اضطرار ، ومعنى اضطرار . أن ينقطع رجاؤك وأملك بالأسباب كلها . فذهبت لمسبب ، وما دمت مضطرا سيجيب ربنا دعوتك ؛ لأنك استنفدت الأسباب ، وبعض الناس يدعون اللّه عن ترف ، فالإنسان قد يملك طعام يومه ويقول : ارزقني ، ويكون له سكن طيب ويقول : أريد بيتا أملكه . إذن فبعضنا يدعو بأشياء للّه فيها أسباب ، فيجب أن نأخذ بها ، وغالبية دعائنا عن غير اضطرار . وأنا أتحدى أن يكون إنسان قد انتهى به أمر إلى الاضطرار ولا يجيبه اللّه . ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله : كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( من الآية 29 سورة الأعراف ) واللّه سبحانه يخاطب الإنسان ، ويحننه ، مذكرا إياه ب « افعل كذا » و « افعل كذا » و « افعل كذا » . وسبحانه قادر أن يخلقه مرغما على أن يفعل ، لكنه - جل وعلا - شاء أن يجعل الإنسان سيدا وجعله مختارا ، وقهر الأجناس كلها أن تكون مسخرة وفاعلة لما يريد ، وأثبت لنفسه - سبحانه - صفة القدرة ، ولا شئ يخرج عن قدرته ؛ فأنت أيها العبد تكون قادرا على أن تعصى ولكنك تطيع ، وهذه هي عظمة الإيمان إنّها تثبت صفة المحبوبية للّه ، فإذا ما غر الإنسان بالأسباب وبخدمة الكون كله ، وبما فيه من عافية ، وبما فيه من قوة ، وبما فيه من مال ، تجد الحق يلفته : لاحظ أنك لن تنفلت منى : أنا أعطيت لك الاختيار في الدنيا ، لكنك ترجع لي في الآخرة ولن تكون هناك أسباب ، ولن تجد إلا المسبب ، ولذلك اقرأ : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( من الآية 16 سورة غافر )
--> ( 1 ) رواه مسلم في الذكر والدعاء باب استحباب الاستغفار ، وأبو داود في الصلاة ، والنسائي في عمل اليوم ، والإمام أحمد 4 / 211 . ومعنى ( ليغان ) : ما يتغشى القلب ، وقيل الفترات والغفلات عن الذكر ، أو همه بسبب أمته فيستغفر لها ، وقال المناوي : هو غين أنوار لاغين أغيار ولا حجاب ولا غفلة . راجع أصله وخرج أحاديثه الدكتور أحمد عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر .